ابن أبي أصيبعة

502

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

النظر في هذا المعنى حتى تلخص له فيه رأي واجتمع بالأفضل بن أمير الجيوش ملك الإسكندرية وأوجده أنه قادر أن تهيأ له جميع ما يحتاج إليه من الآلات أن يرفع المركب من قعر البحر ويجعله على وجه الماء مع ما فيه من الثقل فتعجب من قوله وفرح به وسأله أن يفعل ذلك ثم آتاه على جميع ما يطلبه من الآلات وغرم عليها جملة من المال ولما تهيأت وضعها في مركب عظيم على موازاة المركب الذي قد غرق وأرسى إليه حبالا مبرومة من الإبريسم وأمر قوما لهم خبرة في البحر أن يغوصوا ويوثقوا ربط الحبال بالمركب الغارق وكان قد صنع آلات بأشكال هندسية لرفع الأثقال في المركب الذي هم فيه وأمر الجماعة بما يفعلونه في تلك الآلات ولم يزل شأنهم ذلك والحبال الإبريسم ترتفع إليهم أولا فأولا وتنطوي على دواليب بين أيديهم حتى بان لهم المركب الذي كان قد غرق وارتفع إلى قريب من سطح الماء ثم عند ذلك انقطعت الحبال الإبريسم وهبط المركب راجعا إلى قعر البحر ولقد تلطف أبو الصلت جدا فيما صنعه وفي التحيل إلى رفع المركب إلا أن القدر لم يساعده وحنق عليه الملك لما غرمه من الآلات وكونها مرت ضائعة وأمر بحبسه وأن يستوجب ذلك وبقي في الاعتقال مدة إلى أن شفع فيه بعض الأعيان وأطلق وكان ذلك في خلافة الآمر بأحكام الله ووزارة الملك الأفضل بن أمير الجيوش ونقلت من رسائل الشيخ أبي القاسم علي بن سليمان المعروف بابن الصيرفي في ما هذا مثاله قال وردتني رقعة من الشيخ أبي الصلت وكان معتقلا وفي آخرها نسخة قصيدتين خدم بهما المجلس الأفضلي أول الأولى منهما ( الشمس دونك في المحل * والطيب ذكرك بل أجل ) الكامل وأول الثانية ( نسخت غرائب مدحك التشبيبا * وكفى بها غزلا لنا ونسيبا ) الكامل فكتبت إليه ( لئن سترتك الجدر عنا فربما * رأينا جلابيب السحاب على الشمس ) الطويل وردتني مولاي فأخذت في تقبيلها وارتشافها قبل التأمل لمحاسنها واستشفافها حتى كأني ظفرت بيد مصدرها وتمكنت من أنامل كاتبها ومسطرها ووقفت على ما تضمنته من الفضل الباهر وما أودعتها من الجواهر التي قذف بها فيض الخاطر فرأيت ما قيد فكري وطرفي وجل عن مقابلة تقريظي ووصفي وجعلت أجدد تلاوتها مستفيدا وأرددها مبتدئا فيها ومعيدا ( نكرر طورا من قراة فصوله * فإن نحن أتممنا قراءته عدنا )